الخطيب الشربيني
406
مغني المحتاج
بحبر أو مداد ونحو ذلك ليستدل على صدقهم إن اتفقت كلمتهم وإلا فيقف عن الحكم . وإذا أجابه أحدهم لم يدعه يرجع إلى الباقين حتى يسألهم لئلا يخبرهم بجوابه ، فإن امتنعوا من التفصيل ورأي أن يعظهم ويحذرهم عقوبة شهادة الزور وعظهم وحذرهم . فإن أصروا على شهادتهم ولم يفصلوا وجب عليه القضاء إذا وجدت شروطه ، ولا عبرة بما يبقى من ريبة . وإنما استحب له ذلك قبل التزكية لا بعدها ، لأنه إن اطلع على عورة استغنى عن الاستزكاء والبحث عن حالهم ، وإن لم يرتب فيهم ولا توهم غلطهم فلا يفرقهم وإن طلب منه الخصم تفريقهم ، لأن فيه غضا منهم . انتهى . باب القضاء على الغائب عن البلد أو عن المجلس وتوارى أو تعزز ، مع ما يذكر معه . والدعوى على الغائب إما من صاحب الحق أو وكيله كما سيأتي . وبدأ المصنف بالأول فقال : ( هو جائز ) بشرطه الآتي لعموم الأدلة ، ولقول عمر في خطبته : من كان له على الأسيفع - بالفاء المكسورة - مال فليأتنا غدا ، فإنا بائعو ماله وقاسموه بين غرمائه وكان غائبا . ولقوله ( ص ) لهند : خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف وهو قضاء منه على زوجها ، ولو كان فتوى لقال : لك أن تأخذي ، أو لا بأس عليك أو نحوه ، ولم يقل خذي ، لأن المفتى لا يقطع ، فلما قطع كان حكما . كذا استدلوا به ، وقال المصنف في شرح مسلم : لا يصح الاستدلال به ، لأن أبا سفيان كان حاضرا بمكة ، فإن الواقعة كانت بمكة لما حضرت هند المبايعة . وذكر الرافعي في النفقات ما يدل على أن ذلك كان استفتاء ، قال ابن شهبة : وهو الذي يظهر ، لأنه ( ص ) لم يحلفها ، ولم يقدر المحكوم به لها ولم تجر دعوى على ما شرطوه اه . ويحتمل أن تكون الواقعة وقعت مرتين . وصح عن عمر رضي الله عنه أنه حكم في امرأة المفقود أنها تتربص أربع سنين وأربعة أشهر وعشرا ، وقال ابن حزم : صح عن عثمان القضاء على الغائب . ولا مخالف لهما من الصحابة ، ولان البينة مسموعة بالاتفاق على الغائب ، فليجب الحكم بها كالبينة المسموعة على الحاضر الساكت . وأيضا فالحكم على الميت والصغير جائز ، وهما أعجز عن الدفع من الغائب ، ولان في المنع منه إضاعة للحقوق التي ندب الحكام إلى حفظها فإنه لا يعجز الممتنع من الوفاء عن الغيبة . وألحق القاضي حسين بالغائب ما إذا أحضره المجلس فهرب قبل أن يسمع الحاكم البينة أو بعده وقبل الحكم فإنه يحكم عليه قطعا . وإنما يسمع الدعوى ويقضي بها على الغائب ( إن ) بين المدعي ما المدعي به وقدره ونوعه ووصفه وقال إني طالب بحقي ، و ( كان ) للمدعي ( بينة ) ولو شاهدا ويمينا فيما يقضي فيه بهما ، لأن الدعوى لقصد ثبوت الحق ، وطريقه محصورة في إقرار أو يمين مردودة أو بينة ، والاولان مفقودان عند غيبة المدعى عليه . تنبيه : كلامه يوهم جواز الدعوى على الغائب وإن لم يكن عليه بينة ، وليس مرادا ، فكان الأولى أن يعتبر ذلك في صحة الدعوى كما قدرته في كلامه وإن نازع البلقيني في اشتراط البينة في صحة سماع الدعوى وقال : الدعوى صحيحة بدونه ، ولكن لا يحكم القاضي إلا أن يستند قضاؤه إلى الحجة المعتبرة . ولو عبر المصنف بالحجة بدل البينة ليشمل علم القاضي بالواقعة إذا سوغنا الحكم لكان أولى . وقوله : ( وادعى المدعي ) على الغائب ( جحوده ) أي الحق المدعى به شرط لصحة الدعوى وسماع البينة على الغائب . ولا يكلف البينة بالجحود بالاتفاق كما حكاه الإمام ، ثم استشكله بأنه إن كان يدعي جحوده في الحال فهو محال ، لأنه لا يعلم حاله وإن كان يدعي جحوده لما كان حاضرا فالقضاء في الحال لا يرتبط بجحود ماض اه . وقد يجاب بأن الأصل استمرار الجحود . تنبيه : يقوم مقام الجحود ما في معناه ، كما لو اشترى عينا وخرجت مستحقة فادعى الثمن على البائع الغائب فلا